لو تراكبت عقول البشر ... فصارت عقلاً واحداً... ما استطاعوا أن يأتوا بتفسيرٍ كاملٍ .. لآية واحدة ... من خلال كلام الله... وإنما يلحقهم العجز ... لأن عقول البشر ... ناقصة ... تدرك أمراً ... وتغيب عنها أمور ... بينما كلام الله ... هو الكمال المطلق ... فلا تناسب بين كلام البشر ... وبين شمول كلام الله ... ومن هنا ... اختلفوا ... وكان حتماً أن يختلفوا!!! فهناك مئات من التفاسير ... وكلها ... تقدم أقصى ما يستطاع ... من مفاهيم ... في القرآن ... ومع هذا مازال القرآن ... كما هو ... بكراً ... لم يُمس!!!
كما يقف الناس جميعاً ... على شاطئ البحر ... كُلٌ يشهد من البحر ... ما يشهد ... والبحر ... هو البحر!!! ما نقص شيئاً ... ومايزيد!!!
ما ترك الأقدمون ... شيئاً من كتاب الله ... إلا وقدموا فيه جهوداً ... كبرى ... وجاء المتأخرون ... فأضافوا جهوداً إلى جهود ... ثم جاء المعاصرون ... فاعتصروا فيه عصارة عقولهم ... والقرآن هو القرآن ... بكراً ... لم يُمس!!!
وصاح الذين لا يعلمون ... ما هذا الخلاف العريض ... في تفسير القرآن؟! وما هو بخلاف ... ولكنه العجز ... عجز الخلق ... أن يدركوا ... كلام الحق!!! فخرُّوا ... كلهم أجمعون ... يبكون ... فما عرفوا ... من الحق!!!
إنَّ الله ... ليس كمثله شيء ... فتحتم أن يكون كلام الله ... ليس كمثله كلام!!! لأن كلام الله ... صفة من صفات الله ... والصفة ... فيها خصائص الموصوف!!! الله ... ليس كمثله شيء ... فكلام الله ... ليس كمثله كلام!!!
وتأمل تعبير (بمثل) ... (لا يأتون بمثله) ... إشارة ... إلى أنه ليس كمثله كلام!!! فهناك استحالة ... أن يأتوا بمثله!!!
من صفات كلام الله
الله ... وسع كل شيء رحمةً وعلماً ... فالقرآن ... وسع كل شيء رحمةً وعلماً!!!
الله ... قد أحاط بكل شيءٍ ... وكلام الله ... قد أحاط بكل شيءٍ ...
وتأمل ... " وَلَمَّا يَأۡتِہِمۡ تَأۡوِيلُهُ "؟! تدرك أن تأويله ... لمَّا يأتهم حتى الآن ... وإلى يوم القيامة ... وإنما هم يدندنون ... ليس إلا!!!... وإنما عجزوا عن الإحاطة به ... لأن العقول محدودة ... وكلام الله لا محدود!!!
الله ... عظيم!!! وكلام الله ... عظيم!!!
وكما أن عظمة الله ... ليس كمثلها عظمة ... فكذلك عظمة القرآن ... ليس كمثلها عظمة!!! الله ... مجيد!!! فالقرآن ... مجيد ...
ليس كمثل مجده تعالى مجد ... وكذلك ليس كمثل مجد القرآن مجد!!! الله ... عزيز!!! فالقرآن ... عزيز!!!
وكما أن للهِ العزةَ جميعاً ... فكذلك لكلام الله ... العزة جميعاً ... على كل كلام!!! الله ... عَلِيٌّ!!! وكلام الله ... عَلِيٌّ!!!
فكلام الله دائماً يعلو ... كل كلام ... ولا يُعلى عليه ... الله ... حكيم!!! مهما قال الحكماء من الحكمة ... فكلام الله ... هو الحكمة العليا ... والحكمة الأعلى!!!
وإنه لناموس مطرد ... كل وَصْف يُوصف به الله ... يُوصف به كلام الله!!! الله ... نور!!! فكلام الله ... نور!!!
الله ... المُحيي!!! فكلام الله ... يُحيي!!!
والروح ... يُحيي!!! الله ... يعلم السر في السماوات والأرض ... فالقرآن ... فيه جميع أسرار ... علم السماوات والأرض ... وإنك لتجد ذلك مكنوناً في قوله:
وفيها الإشارة ... إلى أنَّ سر السماوات والأرض ... مكنونٌ في القرآن ... يكشف الله ذلك ... لمن شاء من عباده ... بالنسبة التي يشاء!!! الله ... كريم!!! فالقرآن ... كريم!!!
وكما أن الله ... ليس كمثل كرمه كرم ... فكذلك القرآن ليس كمثل كرمه كرم ... الله ... هو الأول والآخر ... والظاهر والباطن ... فالقرآن ... فيه علوم الأولين والآخرين ... وله ظهر وبطن!!! إنه ناموس يطرد إطراداً ... كل وصف وُصِفَ به الله ... يُوصف ... به كلام الله!!!
التجلّي الإلهي في القرآن
لماذا؟!!! لأن القرآن ... كلام الله ... وكلام الله ... يتحتم أن تتجلى فيه ... جميع صفات الله ... ما معنى هذا؟!! معناه ... أن كلام الله ... تَجلّى ... الله ... فيه لعباده ... بجميع ... أسمائه ... بجميع ... صفاته ... فهو ... قرآن ... بمعنى التجلِّي ... الجامع ... الذاتي ... وهو ... فرقان ... بمعنى التجلِّي ... للعباد ... أي إنزاله ... للعباد ...
لما أراد الله ... أن يتجلى لعباده ... تجلَّى لهم ... في كلامه ... وبنسبة استعدادهم ... لتلقِّي التجلِّي ... يكون حظهم ... من هذا التجلِّي ... ومن هنا ... كان حظ ... رسول الله ... صلي الله عليه وسلم ... من هذا التجلِّي ... هو الحظ الأعظم!!!
لأنه ... صلى الله عليه وسلم ... هو الإنسان ... الذي خلقه الله ... ليكون موضع التجلي الإلهي ... التام!!!
وفيها الإشارة ... إلى أنَّ خلْق الإنسان الأعظم ... الإنسان الأعلى ... الذي هو ... محمد ... صلى الله عليه وسلم ... إنما كان مقدوراً ... ليكون ذلك الإنسان ... موضع التجلي الإلهي التام!!! فلما بعثه الله ... تجلى عليه ... بكلامه ... وهو ما يُسمى بالإنزال ... فتلقاه ... رسول الله ... صلى الله عليه وسلم ...
وأدَّاه ... كما تلقَّاه ... إلى العالمين!!! ثم بيَّنه ... صلى الله عليه وسلم ...
{لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡہِمۡ ... }!!!
فتمت بذلك النعمة ... نعمة ... إنزال كلام الله ... إلى الناس ... ونعمة بيان ... ما نزل من كلام الله ... للناس!!! نعمة التجلي الإلهي ... في القرآن ... ونعمة آثار ... هذا التجلي ... في ... قلب ... رسول الله ... صلى الله عليه وسلم ... وهو ... البيان!!!
سر إعجاز القرآن
فالقرآن معجز ... لسبب بسيط جداً ... لو إلتفت إليه ... الناس ... لبهرهم شعاعه جميعاً!!! القرآن معجز ... لأنه ... كلام الله!!! فلا أحد يستطيع أن يتكلم بمثله ... إلا أن يكون هذا المتكلم ... إلهاً!!! حتى يستطيع ... أن يتكلم بمثل ... ما تكلم به الله ... ومن حيث أنه ... لا إله ... إلا الله!!! فهناك استحالة مطلقة ... أن تأتي بإله آخر ... ليتكلم ... بمثل ما تكلم به ... الله!!! لأنه ... لا يوجد ... في الوجود ... إله ... إلا الله ... الذي القرآن كلامه!!! فهناك استحالة ... أن نأتي ... بمثل هذا القرآن ... لأنه ... لا يوجد ... إله ... آخر ... غير الله ... ليتكلم ... كلاماً ... مثل كلام الله ... الذي هو القرآن!!!
حتى إذا آنست من جانب هذا الدليل ... اطمئنانا ... فهلم ... ننظر ... لماذا اختلف الخلق ... في تفسير القرآن ... وبقي الكلام الإلهي ... بعد ذلك كله ... بكراً ... لم يُمس؟!!
التجدد الدائم لكلام الله
إذا علمت ... أن القرآن ... هو التجلي الإلهي ... للعباد ... وأن التجلي الإلهي ... جديدٌ ... أبداً... لا تكرار فيه ...
كل لحظة ... يتجلى ... هُو ... تجلياً جديداً ... لا تكرار فيه ... على من شاء ... من الخلق ... فإن كلام الله ... فيه هذه الصفة المباركة ... أنه متجدد أبداً ... لا ينتهي تجدده ... أبداً ... فما من أحدٍ ... يتلو آية ... من كتاب الله ... إلا وأعطته نوراً جديداً ... ولو أن الخلق جميعاً ... قاموا يقرءون ... من كتاب الله ... على امتداد أعمارهم ... لأعطاهم القرآن في كل لحظة جديداً!!! ومن هنا ... كان الأمر ... بإدامة تلاوة القرآن ...
لأن في كل تلاوة ... نوراً جديداً ... وتجلياً جديداً!!! ولعل هذا هو سر ... إمساك أصحابه رضي الله عنهم ... عن تفسير القرآن ... لأنهم كانوا يعلمون ... هذه الصفة ... من كلام الله ... صفة التجدد الدائم ... فما فهمه الآن من آية ... سوف يَفهم جديداً غيره ... بعد لحظة ... فلو قيد كتاب الله ... بتفسير معين ... كان مقيداً ... لمطلق ... فكانوا يحذرون!!! حتى بَعُدَ العهد ... بأنوار كتاب الله ... فمست الحاجة ... إلى قاعدة مشتركة ... في فهم كتاب الله ... يأوي إليها الناس جميعاً ... إذا تناولوا كتاب الله ... فبدأت علوم التفسير!!! وكانت هذه الثروة العظمى ... من كتب التفاسير!!! فجمعت الناس ... على فهم مشترك ... وبقيَ البحر المحيط ... بحر التجدد الدائم ... لكلام الله ... جارياً ... سارياً!!! فمن شاء فهماً مشتركاً ... في القرآن الكريم ... فأمامه كتب التفسير ... ومن شاء ... نوراً مطلقاً ... متجدداً ... فعليه بتلاوة القرآن ... فإنه هوَ بحر البحور ... ونور النور ... وزهر الزهور ... فليقرأ منه ما تيسر ... فإنه ممدَّه ... ومعطيه ... جديداً ... دائماً وأبداً!!!
قصة هذا التفسير
اختيار المراجع
ثم جاءت مشكلة اختيار المراجع ...
فوجدت أن تتبع جميع كتب التفسير ... يكاد يكون أمراً مستحيلاً ...
لكثرتها ... وتشعبها ...وكان
فوقع الاختيار ... على تفسير " روح المعاني " ... للإمام الألوسي ...
وكان السبب في اختياره ... أنه كشكول جامع ... لكل ما سبقه من كتب التفسير القديمة ...
فهو بذلك يغني شيئاً ما عنها ...
وأنه قريب عهدٍ بزماننا ... وهذا ما يجعله قريباً من مفاهيم عصرنا ...
فاخترت تفسير الألوسي مرجعاً رئيسياً لي ... في هذا التفسير ...
فكأن في هذا التفسير الذي بين يديك ... ملخصاً أميناً ... وسريعاً ... لتفسير الألوسي ...
وأضفت إليه ... من كتب الحديث ... الكتب الستة ... التي هي موضع إجماع الأمة ...
- صحيح البخاري
- صحيح مسلم
- سنن أبي داوود
- صحيح الترمذي
- سنن النسائي
- سنن ابن ماجة
مضافاً إليها شروحها ... فضلاً عن بعض كتب الفروع التي تمس إليها الحاجة ...
واخترت من التفاسير الصوفية ... " تفسير الفواتح الإلهية " ... للإمام النخجواني ...
بين الإقدام والإحجام
ثم بدأت أخطط للموضوع ... فكنت كلما هممت بالتفكير فيه ... أواجه إحساساً متناقضاً ... أحدهما يدفعني إليه ... وهو الرغبة الشديدة ... في إخراج تفسير بسيط ... يصلح للجميع ... والثاني ... يقعدني عنه ... لما فيه من صعوبات ... تارة أتقدم ... وتارة أتأخر ... ثم تولاني الله ... بتأييده ... فتغلب الإقدام على الإحجام ... فلما عزمت ... ازددت رعباً!!! من هو أنا ... حتى أقدم ... على أمر كهذا؟! ما أدواتي ... ما إمكانياتي ... ما إدراكي؟! وصاح صائح ... من باطني: ارجع أيها المغرور ... فإنك لا تستطيع السبح في بحر البحور؟! وكدت أستمع لهذا الصوت ... لولا أن ثبتني الله ... فلما أن شاء سبحانه ... أن أتقدم ... تقدمت!!!!
تجربة الكتابة
وبدأ من يومها احتراقي!!! فما بين يديك ... من سطور هذا التفسير ... إنما هو شيء ... مَنَّ به الكريم سبحانه ... عَلَيّ ... والله ... لولا الله ... ما استطعت ... أن أخط منه كلمة ... وإنما هو عطاء ... مِنهُ سبحانه ... وإني أشهد ... بعد أن ذُقت ... وعِشت تجربة ... تفسير كتاب الله ... أن القرآن ... كلام الله ... حقاً ... حقاً ... حقاً!!! لِما كنت أجد فيه ... وأنا أسبح في بحاره ... من عجائب ... وغرائب ... وكنوز ... وإشعاعات ... وأنوار ... وإشارات ... ومذاقات ... وأشواق ... وأعماق ... وأذواق ...
فأجد نفسي ... أذوب ... وأذوب ... وأذوب ... ثم أتلاشى ... حتى ان ابنتي ... قالت لي ... ذات يوم ... وقد رأتني ... في هذا الحال: لستَ معنا!!! فنظرت إليها ... ولم أستطع أن أقول لها شيئاً!!! نعم ... لقد كان هذا الأمر يعزلني عزلاً تاماً ... عن كل شيء ... ويفرض عَلَيّ فرضاً ... أن أنصهر فيه ... وأن أفنى فيه!!!
كان يثقل عَلَيّ أحياناً ... كأنما أحمل جبلاً شامخاً وحدي ... وكان يخف عَلَيّ أحياناً ... كأنما أشم زهرة في الصباح!!! فعلَمَني أن ثقله ... مما فيه من جبروت وقهروت ... وأن يُسره ... مما فيه من رحمة وجمال!!! آناً يطالعني ... بالجلال ... فيحطمني ... وآناً يطالعني ... بالجمال ... فيجذبني ... ولا إرادة ... لي ...في الحالتين ... فالقرآن قهَّار ... والقرآن غلَّاب ...
كم من الأيام ... قضيتها هائماً ... وراء حقيقة أريد أن أصل إليها ... في تفسير آية من كتاب الله؟! وإنما أذكر لك هذا ... على كره مني ... ليطمئن قلبك ... أنَّ ما بين يديك ... خلاصة أمينة ... لتفسير آيات الله ... ما استطعت إلى ذلك سبيلاً! وأنه شيء ... كان نتيجة مجهودات شاقة ... بُذلت ... لتضع بين يديك ... تفسيراً سائغاً للشاربين!